أسرة ومجتمع

تأثير الخوارزميات على حياتنا ومن يختار لنا

فتحتِ هاتفكِ بحثًا عن وصفة عشاء سريعة، فوجدتِ نفسكِ بعد نصف ساعة تقرئين عن علامات العلاقة المرهقة، ثم تشاهدين مقطعًا عن القلق، ثم إعلانًا لمنتج لم تفكري بشرائه من قبل. هذه ليست مصادفة عابرة. تأثير الخوارزميات على حياتنا بدأ من الشاشة، لكنه صار يلامس مزاجنا، وصورتنا عن أنفسنا، وحتى ما نعتقد أنه رغبتنا الشخصية.

الخوارزمية، ببساطة، هي نظام يتعلم من اختياراتكِ الرقمية ليقترح عليكِ ما قد يجذب انتباهكِ لاحقًا. لا تفكر كإنسانة، ولا تعرف قصتكِ كاملة، لكنها تلتقط إشارات صغيرة جدًا: المقطع الذي أعدتِ مشاهدته، المنشور الذي توقفتِ عنده، الحساب الذي بحثتِ عنه ليلًا، والكلمات التي كتبتِها في خانة البحث. ثم تبني منها نسخة رقمية عنكِ، وتعرض عليها مزيدًا مما يبدو مناسبًا.

المشكلة ليست في الاقتراح نفسه. أحيانًا تقودنا الخوارزميات إلى معلومة مفيدة، أو مجتمع داعم، أو وصفة تنقذ يومًا مزدحمًا. لكن العلاقة تصبح حساسة حين ننسى أن ما يظهر أمامنا ليس بالضرورة مرآة للحقيقة، بل اختيار محسوب لما يُبقيكِ متصلة وقتًا أطول.

تأثير الخوارزميات على حياتنا النفسية

حين تمرين بفترة قلق أو وحدة أو ارتباك عاطفي، قد تبدو المنصات وكأنها تفهمكِ بدقة مدهشة. تبحثين مرة عن «التعلق التجنبي»، فتظهر لكِ عشرات المقاطع عن الشركاء الباردين، والعلاقات المؤذية، وضرورة الانسحاب. بعض هذا المحتوى قد يمنحكِ لغة تفسرين بها ما تشعرين به، وهذا أمر ثمين. لكن التكرار قد يحوّل الفكرة إلى عدسة وحيدة ترين منها كل شيء.

الخوارزمية لا تعرف إن كان شريككِ يمر بضغط مؤقت، أو إن كانت علاقتكِ تحتاج حوارًا واضحًا، أو إن كان المحتوى الذي تشاهدينه يزيد خوفكِ بدل أن يساعدكِ. هي تعرف فقط أنكِ تفاعلتِ مع هذا النوع من المقاطع. وكلما استمررتِ في المشاهدة، قدمت لكِ نسخة أكثر حدة منه، لأن المحتوى الذي يثير القلق أو الغضب أو الفضول غالبًا يحصد تفاعلًا أكبر.

هنا قد يحدث ما يشبه الحلقة النفسية: شعور مزعج يدفعكِ إلى البحث، والبحث يجلب محتوى يؤكد الشعور، والتأكيد يجعلكِ أكثر تعلقًا بالبحث. ليس لأنكِ ضعيفة أو سهلة التأثر، بل لأن الدماغ البشري يميل طبيعيًا إلى ملاحظة ما ينسجم مع مخاوفه، خصوصًا في لحظات الإرهاق العاطفي.

عندما تتحول المقارنة إلى عادة صامتة

قد تعرفين منطقيًا أن الصور المنتقاة لا تمثل الحياة كاملة، ومع ذلك تشعرين بعد تصفحها أن الجميع ينجح في العمل، ويبدو مرتاحًا في علاقته، ويملك بيتًا أكثر دفئًا وجسدًا أكثر مثالية. الخوارزمية لا تخترع المقارنة، لكنها تجعلها متاحة بلا توقف ومصممة على ذوقكِ تحديدًا.

إذا كنتِ تتابعين محتوى الأمومة، فقد تعرض لكِ أمّهات منظّمات ومنازل هادئة وأطفالًا يبتسمون دائمًا. وإذا كنتِ مهتمة بالجمال، فقد تزداد أمامكِ الوجوه المفلترة والإجراءات التجميلية. وإذا كنتِ في مرحلة مهنية انتقالية، قد يمتلئ يومكِ برسائل تقول إن النجاح يجب أن يكون أسرع وأكبر وأوضح. هذه الصور قد تلهم، لكنها تصبح مؤذية حين تتحول إلى معيار تقيسين به قيمة حياتكِ العادية.

ما الذي تكسبه المنصات من انتباهنا؟

من المفيد أن نتذكر أن كثيرًا من المنصات صُممت حول اقتصاد الانتباه. كل دقيقة إضافية تقضينها في التمرير تعني فرصة أكبر لعرض الإعلانات وجمع إشارات أكثر عن اهتماماتكِ. لذلك لا يكون السؤال دائمًا: «هل هذا المحتوى جيد لي؟» بل غالبًا: «هل سيجعلني أبقى؟».

وهذا يفسر لماذا تصلنا أحيانًا مقاطع مثيرة للانقسام، أو قصص مبالغ فيها، أو نصائح نفسية حاسمة من دون سياق. الجملة التي تقول لكِ «إذا فعل هذا، فهو لا يحبكِ» أسهل انتشارًا من حديث ناضج عن التعقيد والحدود والتواصل. لكنها قد تدفعكِ إلى اتخاذ موقف سريع في علاقة تحتاج إلى فهم أهدأ.

لا يعني ذلك أن كل نصيحة على الإنترنت مضللة، أو أن علينا الخوف من التكنولوجيا. الفرق الحقيقي هو بين استخدام واعٍ يمنحكِ أدوات، واستخدام تلقائي يجعل المنصة تكتب إيقاع يومكِ ومشاعركِ بالنيابة عنكِ.

كيف تؤثر الخوارزميات في علاقاتنا وقراراتنا؟

الخوارزميات لا تختار فقط ما نراه، بل تؤثر في ما نعتقد أنه شائع وطبيعي. عندما تتكرر أمامكِ نماذج معينة من العلاقات، أو أساليب التربية، أو معايير الإنفاق، قد تشعرين أن الجميع يعيش بالطريقة نفسها. لكن ما يظهر في صفحتكِ ليس «الجميع»، بل شريحة تم تضخيمها بناءً على سلوككِ السابق وسلوك مستخدمين يشبهونكِ رقميًا.

في العلاقات، قد يجعلنا هذا أسرع في التشخيص وأقل صبرًا على الحوار. وفي الأسرة، قد نشعر بالذنب لأننا لا نطبق كل نصيحة تربوية نراها. وفي التسوق، يمكن لإعلان مناسب في لحظة تعب أن يقنعنا بأن منتجًا ما هو الحل لقلقنا أو فوضى يومنا. أحيانًا نحتاج المنتج فعلًا، وأحيانًا نحتاج فقط إلى نوم أفضل أو مساعدة أو استراحة قصيرة.

وتزداد هذه المسألة تعقيدًا للنساء العربيات المقيمات في الولايات المتحدة، حيث تتقاطع هويات متعددة: محتوى يتحدث عن الاستقلال الفردي، وآخر يذكّر بتوقعات الأسرة، وثالث يبيع صورة مثالية للأم أو الشريكة أو الموظفة. ليست كل الرسائل خاطئة، لكن كثرتها قد تجعل صوتكِ الداخلي أقل وضوحًا. لذلك لا يكفي أن نسأل: «هل هذا المحتوى جيد؟» بل اسألي أيضًا: «هل يناسب واقعي وقيمي وظروفي؟».

استعادة الاختيار الواعي دون انسحاب كامل

لا تحتاجين إلى حذف كل التطبيقات كي تحمي مساحتكِ النفسية. المطلوب هو أن تنتقلي من التلقي التلقائي إلى الاستخدام المقصود. ابدئي بملاحظة شعوركِ بعد التصفح، لا خلاله فقط. هل أصبحتِ أكثر هدوءًا؟ هل خرجتِ بفكرة مفيدة؟ أم أنكِ تشعرين بضيق، أو نقص، أو رغبة ملحّة في مقارنة حياتكِ بحياة لا تعرفين منها إلا اللقطات المختارة؟

بعدها، عاملي الخوارزمية كما تعاملين أي عادة قابلة للتعديل. يمكنكِ إلغاء متابعة الحسابات التي تستنزفكِ، واختيار خيار «غير مهتمة» حين يظهر محتوى يثيركِ بلا فائدة، والبحث عمدًا عن أصوات متنوعة بدل انتظار ما تقترحه الصفحة. هذه الإشارات الصغيرة تعلّم النظام أن ذوقكِ أوسع من خوفكِ اللحظي.

ومن المفيد أيضًا وضع حدود بسيطة وواضحة. لا تفتحي المنصة في أول عشر دقائق بعد الاستيقاظ، ولا تجعليها رفيقتكِ الأخيرة قبل النوم إذا كنتِ تمرين بوقت حساس. اختاري وقتًا محددًا للبحث حين تحتاجين معلومة، بدل أن يتحول البحث إلى تمرير مفتوح. الفارق يبدو صغيرًا، لكنه يمنح جهازكِ العصبي فرصة للهدوء بدل البقاء في حالة تنبيه مستمر.

اتركي مساحة لما لا تقيسه المنصة

الخوارزمية تجيد قياس النقرات، لكنها لا تقيس جودة حضن من طفلكِ، أو أثر جلسة صادقة مع صديقة، أو راحة وجبة تناولتِها بهدوء، أو معنى إنجاز صغير لا يصلح للنشر. الحياة التي لا تظهر على الشاشة ليست أقل قيمة لأنها لم تحصل على إعجاب أو مشاهدة.

وحين تصادفين محتوى نفسيًا يلمسكِ، خذي منه سؤالًا لا حكمًا نهائيًا. بدل أن تقولي: «هذا يثبت أن علاقتي فاشلة»، جربي أن تسألي: «ما الذي جعل هذا الكلام يوجعني؟ وما الذي أحتاجه فعلًا؟». قد تكون الإجابة حدودًا أو حوارًا أو دعمًا متخصصًا، وقد تكون ببساطة حاجة إلى التوقف عن استهلاك محتوى يضغط على جرح مفتوح.

التقنية جزء من حياتنا، ولن يعود العالم إلى ما قبل التوصيات الذكية. لكن بين ما تعرضه لكِ الشاشة وما تختارينه أنتِ، توجد مساحة ثمينة اسمها الوعي. احميها بلطف: توقفي قليلًا، اسألي نفسكِ عمّن يقود هذا الاختيار، ثم امنحي قلبكِ فرصة أن يجيب بصوته هو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى